العلم
أهمية العلم للفرد والمجتمع لا يمكن وصفها في بضع سطور أو كلمات لأنها نسيج حياة متكامل بين الدين والفرد والمجتمع كل منهم يكتمل بالعلم ولا غنى لأي أحد فيهم عن الآخر.
يقول رب العزة والجبروت في محكم تنزيله في أحد الآيات التى يطلب فيها أحد الصالحين من الله عز وجل أن يعينه بالعلم وأن يزيده من العلم حيث يقول تعالى وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. تخيل أن من قام بطلب هذا الدعاء من الله عز وجل في خضوع وتذلل قام بطلب العلم ولم يطلب المال أو الشهرة أو الغنى ولا الملك ولا الملكوت بل طلب العلم أي فقه لدى هذا الرجل وأي يقين لديه أن من امتلك العلم النافع فقد امتلك الدنيا والآخرة.
لو تذكرنا سيدنا سيدنا موسى كليم الله عز وجل مع سيدنا الخضر عليه السلام لوجدنا الآيات القرآنية تتحدث عن هذه القصة في سورة البقرة وتقول كالتالي بعد بسم الله الرحمن الرحيم “وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ”
إن علوم التفسير تقول أن سبب إرسال الله عز وجل لموسى عليه السلام لأن موسى لم يظن أنه يوجد على وجه الأرض من هو أعلم منه، فأراد الله الرحيم أن يعلم سيدنا موسى فقال له إن هناك رجل من عبادي هو أعلم منك وأعطي سيدنا موسى عليه السلام علامة وهي السمكة تعود حية وفي المكان الذي تعود فيه السمكة إلى البحر يكون لقاء موسى بالخضر عليهما السلام، وتشير كتب التفاسير أنه عندما التقى موسى عليه السلام بالخضر هبط عصفور فشرب من الماء فقال سيدنا الخضر لموسى ما عندي من علمي بما عند الله مثل القدر الذي شرب منه العصفور من البحر لا ينقص في علم الله من شئ.
وقصة موسى والخضر تعلمنا التواضع واحترام أهل العلم وأنه مهما بلغ الإنسان في العلوم فلن يكون لديه كل العلم فموسى عليه السلام وقف أمام ما يفعله الخضر عاجزا لا يستطيع أن يفسر ثقب السفينة أو قتل الغلام أو حتى بناء الجدار لأن علم موسى محدود ولا يستطيع أن يدرك علم الخضر عليه السلام وهذا هو المقصد من الآية أن يقوم الإنسان بالبحث ولا يتكلم حتى يفهم ولا يظن أنه أعلم أهل الأرض بل يوجد من هو أعلم منه وعليه أن يتواضع ويتعلم ويجتهد.
طلب العلم في الإسلام
طلب العلم في الشريعة الإسلامية هو فرض على كل مسلم ومسلمة فلقد قال حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن ماجه والطبراني وصححه السيوطي لغيره عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب العلم فريضة على كل مسلم. وقد روى لنا أبو داود وصححه الألباني عن كثير بن قيس قال كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاءه رجل فقال يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئت لحاجة، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة وصححه الألباني رحمهما الله عن زياد بن لبيد قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: ذاك عند أوان ذهاب العلم، قلت: يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ قال: ثكلتك أمك زياد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيهما.
وآيات القرآن الكريم في فضل العلم كثيرة منها قول الله تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً. وقد قال رب العزة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ، وقال الله تعالى رْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات، وقال رب العزة جل في علاه في سورة آل عمران شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ. وقال ربنا رب العزة والجبروت في محكم آياته في سورة آل عمران أيضا وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وقال الله عز وجل في سورة فاطر إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء.
أقوال العلماء في فضل طلب العلم
- يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أن تذاكر بعض ليلة في مسائل العلم أحب إليه من إحيائها، قال: وأنه العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم، قلت: الصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم.
- يقول شيخ اٌسلام ابن تيمية رحمه الله العلم الممدوح الذي دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذي ورثته الأنبياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
- قال النووي في قوله صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة. قال: في الحديث فضل السعي في طلب العلم، والمراد العلم الشرعي ويشترط أن يقصد به وجه الله تعالى وإن كان شرطا في كل عبادة
- قال الصنعاني في سبل السلام عند قوله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين. مفهوم الشرط أن من لم يتفقه في الدين لم يرد الله به خيرا. وفي الحديث دليل ظاهر على شرف الفقه في الدين و المتفقهين فيه على سائر العلوم والعلماء، والمراد به معرفة الكتاب والسنة.
- قال الشيخ عبد المحسن العباد في رسالة أهمية العناية بالتفسير والحديث والفقه: العلم المحمود المُثنى عليه وعلى أهله في الكتاب والسّنّة: علم الشريعة التي بعث الله بها رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، فكل ما جاء في كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم من مدح للعلم وثناء على حملته، إنما يراد به هذا العلم الشرعي، علم الكتاب والسّنّة والفقه في الدين.
فوائد متنوعة للعلم
- العلم يعمل على توسع أفق الفرد ويزيد من قدرته على الاستيعاب والتحليل والاستنتاج، كما أن أهل العلم لهم هيبة وتقدير عند الناس، ويعتبر العلم هو الفارق بين من يتبع سبل الهدى وسبل الضلال فمن لديه العلم يستطيع أن يميز بين الخير والشر.
- العلم يعتبر مصدر رزق للإنسان ويكفه عن سؤال الناس والحاجة إليهم كما أنه يعتبر سبب للحصول على الوظائف الملائمة والمناسبة ويظهر أثر العلم على الفرد والمجتمع وبالتالي قوة الدولة.
- لا توجد حضارة لأي دولة بدون علم ينبغ فيه أبنائها سواء في كل العلوم بمختلف فروعها كما أنه يعتبر الحصن الأمين ضد الأفكار الهدامة التى تحاول هدم الأمة وأفكار أبنائها وضلال الناس في الوطن ثم العمل على هدم الوطن ويعتبر الوطن الذي يهتم بالعلم هو أهل التقدم والريادة وأهله أهل كلمة وحظوة في المجتمعات الدولية.
- تجدر الإشارة إلى أن هناك نوعين من العلم هما التعليم المحظري والتعليم العصري. أما التعليم المحظري فهو الموروث الثقافي لدى الشعوب من الحضارات الأخرى أو من نفس الحضارة في العلوم الثقافية والدينية والتاريخية والاجتماعية وهو يعتبر مصدر إلهام وتطور للعلوم التى سوف تأتي فيما بعد والتي سوف تستمد تطورها من تلك العلوم. أما النوع الثاني وهو التعليم العصري فهو التعليم الذي يواكب العصر الحديث وضرورياته وما يستجد عليه من أحداث واحتياجات لا بد أن يواكبها ويعمل على تلبيتها.
بواسطة: Alaa Ali
اضف تعليق