اللغة العربية
إننا لو فتحنا الحديث عن اللغة العربية فلن نكون قادرين على إنهائه أبداً، فنحن لن نتحدث عن لغة تتميز في بلاغتها عن باقي اللغات الأخرى، وتتميز بأنها تحتوي على العديد من الألفاظ للمعنى الواحد، بل إن اللغة العربية تحتوي على تدريج معنوي للعديد من المعاني، إذاً فالحديث عن عظمة تلك اللغة لن ينتهي ابداً.
وربما سوف يفتح الحديث مجالاً آخر لفتح التساؤلات التي لها علاقة باللغة العربية وإشكالياتها والأزمات التي تمر بها في المرحلة الحالية.
هل اللغة العربية هي اللغة الأولى للإنسان؟
من بعض الأفكار التي وردت في رسالة الغفران التي كتبها أبو العلاء المعري قال أن الإنسان في الجنة كان يتكلم اللغة العربية، وبعدما حكم عليه وعوقب بسبب خطيئته تم نفيه إلى الأرض وكان ضياع لغته هو أكبر عقاب له، نسي آدم العربية وتكلم السريانية وكأن ضياع العربية من أكثر الوسائل التي عوقب بها.
هنا نحن أمام موقف يتكرر كل يوم، فكل يوم يحل العقاب على المتحدثين بتلك اللغة ليجدوا أنفسهم غير قادرين على استخدامها بشكل يومي وفي العمل وفي العلم.
اللغة القومية للشعوب
لو قلنا أن جزيرة العرب كانت هي المكان الرئيسي الذي ظهرت فيه اللغة العربية وازدهرت بل إن تاريخ العرب كله وإنجازاتهم لا يقارن بما تركوه من تاريخ لغوي وآثر آدبي كانت اللغة العربية هي نواته الأساسية، فلا يمكن أن ننكر أن بعض الفتح الإسلامي للعديد من الدول الأخرى صارت اللغة العربية هي اللغة القومية لكل تلك الشعوب بل صارت هي الواجهة الحقيقة التي استطاعوا من خلالها أن يقدموا تراثاً عميقاً أضاف إلى البشرية الكثير من الروح والمعنى.
ولو بعدنا عن النظرة القومية للأمر سوف نجد أن هناك بعداً آخر جعل للغة العربية قيمة مختلفة، وهذا البعد هو البعد الديني، فاللغة العربية هي اللغة التي أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن بها، فكانت هي لغة نشر الرسالة عبر البلدان، وصار تعلم اللغة العربية وسيلة أساسية لفهم صحيح الدين وحفظ القرآن الكريم.
بعض الأزمات المثارة حول اللغة العربية
لكن ما الذي تفعله اللغة العربية في عصر الانفتاح الثقافي والعولمة؟ أظن أن إجابة هذا السؤال سوف تحتاج آلاف المقالات بل آلاف المناقشات، لأن إشكالية ضياع اللغة العربية وتأثرها بالمفردات الغربية ليست من المشاكل التي من الممكن أن تحل من خلال فكرة واحدة أو وجهة نظر كاتب أو مفكر. ذلك لأن الأمر لابد أن يصبح مشكلة مجتمعية وحوار قومي يأخذ ما يأخذ من المناقشات ويطرح حلولاً قابلة للتطبيق.
وربما حل الأزمات المحاطة باللغة العربية لا يقترن فقط بحل أزمة المصطلحات واللغة لكنه يقترن بحل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتي تمكن الدول العربية بعد ذلك من نشر ثقافتها وتقويتها وبالتالي إعطائها القدرة على المواجهة أمام باقي اللغات الآخرى.
العوامل التي أدت إلى تراجع اللغة العربية
من أكثر الأشياء الخطيرة والخاطئة التي نظنها أن اللغة شيء جامد لا يؤثر ولا يتأثر بشيء، لكن العكس هو الصحيح لأن اللغة هي وسيلة يستخدمها الفرد في التعبير عن نفسه وعن أفكاره ومن دونها لا يمكن أبداً أن تنتقل الأفكار عبر الأجيال.
لذلك فإن أكبر الأزمات التي تمر بها اللغة لا يتعلق فقط بضعف المصطلحات التي صارت تستخدم في الحياة اليومية أو الكتابات الرسمية والأدبية، بل إن أزمة اللغة الحالية هي أمر يتعلق بالخواء الفكري الذي تمر به العديد من المجتمعات العربية، فلم يعد هناك فكرة تشغل بال أحدهم وبالتالي لم يعد هناك حاجة للتعبير عنها فصار من السهل أن يستخدم اللفظ عن التعبير عن اللاشيء.
إذا من الممكن أن نقول أن أزمة اللغة تبدأ من عدم وجود جذور ثقافية وأفكار تعتمد عليها، فصارت لغة ضعيفة سهلة التأثر بأي شيء.
أيضاً من ضمن العوامل المؤثرة على اللغة هي ضعف الإنتاج العلمي العربي، ففي أوج ازدهار الحضارة الإسلامية وخاصة في العصر العباسي تم ترجمة العديد من الكتب العلمية العربية إلى اللغات الأخرى، وذلك لأن الإنتاج الحضاري العلمي والثقافي كان غزيراً وغنياً للغاية وكان تعطش أوروبا للحصول على هذا العلم هو دافعها الأساسي لتعلم اللغة العربية.
أما الآن في وقت ضعف فيه الإنتاج العلمي والثقافي العربي تفاقمت الأزمة بعد أن استوردنا العلوم بلغتها وبالتالي سيطرت تلك اللغات على مصطلحاتنا اليومية وصرنا نستخدم اللغة الإنجليزية في محادثاتنا العادية.
هل هناك حل؟
أعتقد أن هناك حلول كثيرة وليس حلاً واحداً لكن الأمر كما قلت من قبل مرهون بحوار مجتمعي يحدد علاقة العرب بلغتهم ومدى قدرتهم على التمسك بها ومدى استعدادهم لبذل الجهد لتطوير اللغة وجعلها قابلة للتعامل مع العصر الحديث دون إحداث خلل في محتواها الأصلي.
بواسطة: Shaimaa Omar
اضف تعليق