- الخطابة عند العرب
- مناسبات الخطابة في الجاهلية
- خصائص الخطابة في العصر الجاهلي
- المسجد النبوي يشهد خطبة وفد بني تميم قبل الإسلام
الخطابة عند العرب
قال الشيخ محمد الخضر حسين (شيخ الأزهر الأسبق) في كتابه الخطابة عند العرب:
- الخطابة معدودةٌ في وسَائلِ السِّيَادَة والزَّعَامة، سمع الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه زيادًا يخطُب وكان زيادٌ لا يدَّعي يومئذٍ لأبي سفيان، فقال: “لو كان هذا الفتى قُرَشِيًّا لَسَاق العربَ بعصاه”.
- وكانوا يعدُّون الخطابة شرطًا للإمارة، ففي الخطابة شرفٌ عظيمٌ، وشَرَفُها في أن يكونَ القائمُ عليها عالِمًا بليغًا، قد يبلغ الخطيبُ بِحِذْقِه في فنون البيان، أن يريك الباطلَ في صورة الحق، ويخيِّلَ إليك الشقاءَ سعادةً. وهذا لا يُزرِي بقَدْر الخطابة، وإنْ هي إلا ككثيرٍ من وسائل الخير التي قد يذهبُ بها بعضُ الناس في غير مذهبِها، ويَضَعُها فيما ليس من شأنها، ومَثَلُهَا في هذا مَثَلُ السَّيْف، تَهَزُّه يدُ العَدْل لتضرب به الباطلَ مرَّةً، ويَهزُّه الباطلُ ليسطو به على الحقِّ مرَّةً أخرى، وكان بعض الخطباء الذين يُبْلَوْنَ بنحو اللُّثْغَةِ يَتجنَّبون في كلامهم الحرفَ الذي يَتعذَّرُ، عليهم أن يلفِظوا به على وَجْهٍ سليم، ومثل هذا واصل الغَزَّال، فقد كان ألثغَ قبيحَ اللُّثغَة في النُّطْقِ بالراء، فكان يتحامَى (يتجنب) أن ينطِق بكلمةٍ تحتوي على الراء، على كثرة تردد الرَّاء في الكلام، ولقوَّة عارِضَتِه، وغَزَارة مادَّته من اللغة استطاع أن يلقيَ الخُطَبَ الطِّوَال دون أن يأتيَ على لفظٍ يشتملُ على هذا الحرف، ومما يؤخذ به الخطيب أن ينطقَ بالألفاظ في عَجَلٍ حتى يَصِلَ الحرفَ أو اللفظَ بأخيه قبل أن يستقرَّ الحرفُ أو اللفظُ الأول في موضعِه، والأدب الجميل أن يمكِّن الحروف تمكينًا، ويفصِّلَ الكلمات تفصيلاً، وكذلك كان كلامُ أفصحِ الخليقة صلوات الله عليه، ففي الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والبغوي بإسناد صحيح عن عائشة أم المؤمنين قالت: ما كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسرُدُ سَرْدَكم هذا، ولكنه كان يتكلَّمُ كلامٌ بَيِّنٌ فَصْلٌ يحفظُه من جلَس إليه.
مناسبات الخطابة في الجاهلية
كل المناسبات الإنسانية من أفراح وأحزان، جماعية أو فردية، كما في الحروب والتعازي والزواج والانتصارات والصلح وعند الدخول على الحكام والملوك، وفي أحوال العظات والمصائب والأزمات لرفع المعنويات وشحذ الهمم، كما كانت الخطابة في أحوال التفاخر، وقد تميز الخطباء عن الشعراء بالجمع بين سلاسة العبارة وقوة المعنى في الصورة الحسية مع تلقائية السجع بدون تكلف وهو ما تفوق به على الشعر كما ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبيين، لأن كثرة الشعراء وتكلفهم وتكرار استخداماتهم اللغوية جعلت مكانة الخطيب تتقدم على الشاعر، حتى صار الخطيب في قومه بمثابة المتحدث الإعلامي في عصرنا الحديث.
خصائص الخطابة في العصر الجاهلي
تميزت الخطابة بانها درة التاج على رأس الفنون من النثر العربي، ونظراً لأن العرب في العصر الجاهلي كانوا في غالبهم أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب فإن الخطيب فيهم كان لا يعد الخطبة التي يلقيها على الناس فلا تكون مكتوبة ليقرأها على الناس كما هو الحال اليوم، وإنما كانت الخطابة تعبيراً تلقائيا وليد اللحظة، ومن أهم الخصائص في الخطابة بالعصر الجاهلي: سلاسة العبارة وقصرها وسلامة ألفاظها والنطق بها، مع استخدم الصور الحسية، وتأكيد المعنى بالجمع بين الأسلوبين الخبري والإنشائي، وقدرة التأثير في المشاعر والعقول من خلال تضمين الخطاب للحكم والأمثال.
المسجد النبوي يشهد خطبة وفد بني تميم قبل الإسلام
قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عطارد بن حاجب بن زرارة، في أشراف من بني تميم؛ فلما دخل الوفد المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات: أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك من صياحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم، فقالوا: يا محمد، جئناك لنفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، قال نعم، قد أذنت لخطيبكم فليقل، فقام إليه عطارد فقال:” الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا، وأيسره عدة؛ فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن يفاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكنا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك أقول هذا الآن لتأتونا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، فلمّا انتهى هذا الخطيب من خطبته، أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- ثابت بن قيس، أن يجيب الرجل؛ فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيها أمره، ووسع كرسيه عمله، ولم يكن شيء قط إلّا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى من خير خلقه رسولًا، أكرمهم نسبًا وأصدقهم حديثًا، وأفضله حسبًا؛ فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه؛ فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا النّاس إلى الإيمان، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس أنسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالًا، ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن، فنحن أنصار الله وزراء رسوله، فقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله؛ فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهرناه في الله أبدًا، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم”.
بواسطة: Israa Mohamed
اضف تعليق