رمضان في زمن الكورونا
نحن في هذه الأيام نعيش أزمة استثنائية قد لا تكون مرت على البشرية خلال المائة عام الأخيرة، بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد في العالم أجمع، وزيادة إجراءات الغلق والحجر والعزل المنزلي سواء الإجباري في بعض البلدان والاختياري في بلدان أخرى، مع غلق جميع المحال والمؤسسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية والترفيهية وغيرها، ومع هذه الأيام الاستثنائية يعيش المسلمون في العالم دخول شهر رمضان المبارك، وماله من فرحة وبهجة وسعادة، فهل هناك اختلاف لملامح رمضان في زمن الكورونا واختلافه عن الشهور السابقة التي مرت في حياتنا؟ هذا ما نحاول أن نجيب عليه في سطور هذا المقال.
10 ملامح متوقعة لشهر رمضان في زمن الكورونا
نتوقع في هذا العام رمضان مختلف عن الشهور الرمضانية التي مرت خلال أعوام خلت في حياتنا، فنحن نعتاد على بعض المظاهر الرمضانية في العديد من بلدان العالم الإسلامي ولكن بسبب ظروف وباء كورونا قد يختلف الأمر بالكلية، ونجد العديد من المظاهر المختلفة لشهر رمضان لهذا العام، فما هي أبرز الملامح التي نتوقعها لهذا الشهر الكريم؟ هذا ما نتعرف عليه خلال النقاط التالية:
اختلاف في الاستقبال الاحتفالي
تشهد العديد من دول العالم الإسلامي الكبير من إندونيسيا حتى المغرب العديد من مظاهر الاحتفال الرمضاني من إظهار الزينة في الشوارع أو تزيين السكان للشرفات والرسوم والزينات وغيرها من مظاهر الاحتفال.
نتوقع في خلال هذا الشهر الكريم لهذا العام وبسبب الحظر المنزلي أن تتقلص نسبة الاحتفال من خلال الزينة في الشوارع بشكل ملفت للنظر، كما أن هناك سبباً آخر وهو إغلاق المحال التي يتم من خلالها بيع الزينة أو الأدوات الكهربية الخاصة بها، كغيرها من المحال التجارية المغلقة بسبب إجراءات الغلق في كثير من البلدان الإسلامية.
هذا بالإضافة إلى عدم وجود مظاهر خاصة بشهر رمضان بسبب الحظر المنزلي، مثل عادة المسحراتي التي توجد في بعض البلدان الإسلامية، فمن المتوّقع أن لا تجد هذه العادة كغيرها من العادات مثل موائد الرحمن وهي موائد يقدمها الأغنياء وبها جميع أصناف الطعام للصائمين من الفقراء، ومن المؤكد ان هذه العادة ستختفي تماماً خلال هذا الشهر في مثل هذه الظروف خوفاً من انتشار فيروس كورونا بين المدعوين.
انخفاض نسبة التسوق في شهر رمضان لهذا العام
من المعروف أن شهر رمضان من الشهور التي تشهد حركة عالية من التسوق، إلا أنه في تلك الأيام التي تشهد فيه البلدان الإسلامية كغيرها من البلدان إغلاق جزئي أو كلي لجميع المحال التجارية والمولات والكافيهات وغيرها، فإن رمضان هذا العام لن يشهد حركة تسوق حتى على المستوى العادي لهذه القطاعات الهامة، وهو ما يؤثر بالسلب اقتصادية في الدول، وكذلك على المستوى الفردي لأصحاب هذه المحال أو القطاعات التي كانت تستفيد من شهر رمضان في زيادة حركة البيع والشراء وبالتالي زيادة الأرباح.
رمضان هذا العام بلا صلاة للجماعة أو صلاة للتراويح
من الأمور شبه المؤكدة في بعض البلدان الإسلامية هو أن رمضان هذا العام سيكون بلا صلاة جماعة في المساجد وصلاة التراويح أو قيام الليل، وذلك بسبب قرارات وفتاوى بشأن إغلاق المساجد بداية من المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس الشريف، والعديد من البلدان الإسلامية التي أخرجت فتاوى بضرورة عدم صلاة الجماعة وكذلك صلاة التراويح خوفاً من انتشار فيروس كورونا بين المصلين، وقد يكون غريباً على المسلمين هذا الأمر، ولكن حسب الفتاوى، أن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، وبالتالي فهناك رخصة بالصلاة في المنزل سواء الصلوات الخمس او صلاة التراويح وقيام الليل دون اللجوء إلى الصلاة الجماعية التي قد تكون سبباً في ضرر المسلمين.
رمضان بلا عمرة
اعتاد الملايين من المسلمين في شهر رمضان المبارك أن يسافروا إلى مكة المكرمة ليقيموا شعيرة العمرة، فالعمرة في رمضان تساوي أجر حجة، وبالتالي فإن الثواب العظيم يحفز الجميع على الذهاب للمسجد الحرام خلال أيام شهر رمضان المبارك ليقيموا العمرة هناك، لكن هذا العام سيكون مختلفاً بكل تأكيد، بسبب ما ما قامت به سلطات المملكة العربية السعودية من منع حدوث العمرات خلال الشهور المقبلة حتى إشعار آخر، وذلك لأن حدوث العمرة في هذه الأوقات قد يكون سبباً في انتشار جائحة فيروس كورونا ليس فقط في المملكة العربية السعودية أو البلدان الإسلامية، بل في جميع دول العالم، لذلك فمن المؤكد أن رمضان في زمن الكورونا بلا عمرات.
تقليص الاجتماعات المنزلية
تجتمع العائلة في شهر رمضان المبارك بلا شك فهي من المظاهر الهامة التي يتميز بها شهر رمضان المبارك، ولكن هذا العام قد يكون الأمر مختلف، بسبب أن الاجتماعات المنزلية قد يكون لها مخاطرها في نشر فيروس كورونا، لذلك فمن المتوقع أن تلتزم جميع الأسر والعائلات بالحظر والعزل المنزلي لأنفسها ولن تجتمع مع العائلة في الولائم الرمضانية المعتادة، وهذا تغيير غير معتاد من جميع المسلمين.
رمضان هذا العام سيكون بنسبة صدقات وأعمال خير أعلى
ربما من الأمور الإيجابية المتوقعة في رمضان هذا العام وهو زيادة الخير والصدقات، فمن المعروف أن الصدقات وإخراج الزكاوات في رمضان لها ثواب عظيم ومضاعف، وقد تكون الأزمة في هذا العام على قدر كبير من التحفيز لجميع المسلمين بإخراج صدقاتهم وزكاتهم بشيء من الضرورة الحتمية وبمبالغ أعلى لمن يقدر مادياً بالطبع.
وذلك بسبب الأزمات الاقتصادية التي وقع فيها الكثير من الأسر بسبب توقف النشاط الاقتصادي وإغلاق المحال التجارية وغيرها، وهو ما سوف نتوقعه أن مع استمرار هذه الأزمة في رمضان المبارك، فسوف يشهد في نفس الوقت زيادة في إخراج الصدقات والزكاة واعمال البر والإحسان وتوزيع الطعام على الفقراء والمساكين من المسلمين، وسيكون دور الجمعيات الخيرية وبنوك الطعام في كل دولة ذات نشاط كبير في توزيع هذه الوجبات يومياً على الطبقات الفقيرة الذين لا يقدرون على الكسب خلال فترة كورونا، لذلك ربما تكون هذه من الأمور والجوانب الإيجابية التي تحدث في رمضان هذا العام.
رمضان هذا العام قد يكون به خفض نسبة المسلسلات التلفزيونية
بسبب استمرار أزمة كورونا في العديد من البلدان العربية والإسلامية فقد يكون قطاع الفن والترفيه متأثراً بهذه الأزمة، فقد قررت العديد من البلدان مثل تركيا وتونس وغيرها عدم استكمال المسلسلات التي تذاع في رمضان هذا العام، وقد جاءت القرارات متسقة بالفعل مع عدم استكمال المسلسلت أو البرامج بنسبة يقدرها البعض بنحو 70%، لذلك قد يكون رمضان هذا العام مختلفاً من حيث تقليص عدد المسلسلات والبرامج التي كانت تذاع في شهر رمضان خلال السنوات السابقة.
رمضان بلا حفلات الرؤية
هناك ما يعرف بحفل رؤية هلال رمضان في بداية الشهر الكريم أو قبل دخوله، فهناك العديد من البلدان الإسلامية تقوم بإقامة حفل الرؤية كل عام حسب دخول الشهر الكريم كمظهر من مظاهر الاحتفال الرمضاني السنوي الذي يحمل البهجة والسعادة لجموع الشعب المسلم، ولكن يبدو أن هذه الاحتفالات والتي كانت تقام في المساجد أو في دار الإفتاء لكل دولة وغيرها من الأمور التي لن تقام في الأغلب.
كذلك رؤية هلال العيد أو شهر شوال في آخر رمضان، قد يكون هناك قرار مسبق في حال استمرار الأزمة بعدم إقامة احتفالات بشأن رؤية الهلال، مثلما جاء قرار باحتفالات هلال رمضان، وبالتالي فإن رمضان هذا العام لن يكون بلا أي مظاهر احتفالية سواء رؤية الهلال في البداية أو رؤية هلال العيد هذا بالإضافة إلى عدم الاحتفال بليلة القدر والذي يتم سنوياً.
لا صلاة للعيد في الأغلب
صلاة عيد الفطر المبارك قد لا تقام أيضاً نظراً لانها اجتماع كبير من الاجتماعات، وقد تتخذ الدول الإسلامية قراراً بإلغاء صلاة العيد لهذا العام وهي من الأمور المتوقعة بعد انتهاء شهر رمضان المبارك، وذلك في حال استمرار أزمة انتشار فيروس كورونا.
هل سيكون رمضان هذا العام بلا صيام؟
هذا ليس سؤالاً تهكمياً، فهناك دعوات بالفعل لمعرفة ما هو الرأي الفقهي حول صيام شهر رمضان في ظل وباء الكورونا، وقد خرجت علينا العديد من الآراء الفقهية بضرورة أخذ جميع الاحتياطات الوقائية بشأن الغذاء وتقوية المناعة حتى لا يؤثر الصيام على ضعف الإنسان وبالتالي قد يصيبه كورونا بمنتهى السهولة، ولكن في أغلب الآراء الفقهية قالت أن على الصحيح صيام شهر رمضان المبارك وامتناع المريض أو المرأة الحامل من الصيام، وهو الرأي الفقهي السليم والذي يتوافق مع رحمة الإسلام بالمريض ورفع الحرج عنه في الصيام أو التعب والمشقة في هذا الشعائر الدينية.
رمضان سيكون بنكهة إلكترونية في الغالب
من ضمن الملامح المتوّقعة لرمضان في زمن وباء الكورونا، هو أن المظاهر الإلكترونية ستكون هي الغالبة، وذلك من خلال قيام بعض الأنشطة الدينية أو الاجتماعية من خلال الفيديوهات أو التطبيقات الحديثة، وبشكل أوضح وأدق، من المتوّقع أن الدروس الدينية التي كانت تقام في المساجد طوال شهر رمضان المبارك، ستتحوّل برمتها إلى عرضها عبر الإنترنت لتجذب جمهورها في المنزل، وربما هذه من الأمور الإيجابية أن كل شىء يستمر ولكن عبر الإنترنت هذه المرة.
كذلك الأنشطة الاجتماعية ربما تتحول إلى الإنترنت مثل التبرعات التي تقوم بها الجمعيات الخيرية، ربنا تقبل التبرعات النقدية التي تحوّل من خلال الإنترنت بدلاً من من الذهاب إلى الجمعية والقيام بالتبرع، لذلك لن يحتاج البعض للتبرع على الحقيقة ولكن من خلال مواقع الإنترنت، وهذه أيضاً من المظاهر الجيدة في رمضان أن أعمال الخير لن تتوقف بسبب أعمال الحظر والحجر المنزلي.
هل سيكون رمضان روحانياً مختلفاً بشكل ما هذا العام؟
هذا سؤال نطرحه أيضاً من خلال هذا المقال، ولكن لا نريد طرحه بشكل أكيد أو حتى متوّقع، ولكن نترك الإجابة للجميع من القراء، فماذا نتوّقع؟
في الحقيقة أن كاتب هذا المقال وتلك السطور يتوّقع أن يكون رمضاناً مختلفاً بالعديد من الأوجه حتى على المستوى الروحاني أو الإيماني، فكيف كنا في السنوات الماضية في رمضان كل عام؟ لقد كانت الإيمانيات مرتفعة بسبب الصيام والقيام وأعمال الصدقة والبر والخير والإحسان، ربما اختلف هذا العام بسبب الحجر المنزلي، ولكن أتوقع مثلاً أن يكون رمضان مختلفاً من الناحية الروحانية أن سيكون أعلى من الناحية الروحانية، ربما بسبب الأزمات المتلاحقة التي تجعلنا في أشد الحاجة للصيام والقيام وسائر أعمال الخير والبر، ولكن ربما يكون الاختلاف في الوسيلة التي نتقرب الله بها، فقد تكون المساجد مغلقة بالفعل، ولكن الصلاة في المنزل متاحة، قد تكون صلاة التراويح غير موجودة في المساجد ولكنها متاحة، كذلك أعمال البر والخير وتلاوة القرآن الكريم، كل هذه الأعمال متاحة وغير مقيدة بسبب الكورونا، وهو ما يجعلنا أن نقول أنه لا يوجد اختلاف من هذه الناحية.
في نهاية هذا العرض الشامل عن رمضان في زمن وباء الكورونا وما هي الملامح الرئيسية التي قد تكون متوقعة في رمضان هذا العام، فقد يكون رمضان مختلف وهذا بالطبع من الناحية الاحتفالية، لكن على المستويات الأخرى، ربما نصنع بأيدينا رمضان مختلف لن ننساه طيلة حياتنا، فهل وضعت خطة لقضاء رمضان هذا العام؟
بواسطة: Asmaa Majeed
اضف تعليق