قصة قوم تُبَّع بين القرآن والتاريخ: حقيقة ملوك حِمير وموقفهم من الإيمان

الوجبات السريعة الرئيسية

  • تُبَّع لقبٌ لملوك حِمير في اليمن القديم، ويُرجَّح أن أشهرهم تاريخياً هو أسعد أبو كرب الذي ارتبطت به روايات دينية شهيرة.
  • القرآن ذَكَر قوم تُبَّع في موضعين وأخبر أنهم كذبوا الرسل وأُهلكوا، بينما تُشير روايات إلى إيمان الملك تُبَّع نفسه، ما يفسر الجمع بين الثناء على الملك وذم قومه.
  • آراء المفسرين كابن كثير والطبري والقرطبي تجمع على أن "تُبَّع" لقبٌ ملكي، وأن العبرة القرآنية تتعلق بمآل القوم لا بتفاصيل السيرة السياسية للملك.
  • الروايات الأشهر تتحدث عن زيارة تُبَّع لمكة وكسوته الكعبة، ورحلته إلى يثرب وتأثره بأحبار اليهود، مع تنبيه إلى تفاوت درجات صحة هذه الأخبار.
  • التفريق مهم بين تُبَّع الحميري وبين أبرهة الحبشي وأصحاب الأخدود وقوم سبأ؛ فجميعهم أحداث وشخصيات يمنية مختلفة زمنياً وسياقاً.

حين يَرِد اسم “قوم تُبَّع” في القرآن، يتبادر السؤال: من هم؟ وهل كانوا من الكفار؟ تتبّعٌ هادئ للمصادر يضعنا أمام صورة متكاملة: لقبٌ ملكيّ حمله ملوكُ حِمير في جنوب الجزيرة العربية، وقومٌ عاندوا رسل الله فاستحقوا الوعيد. وبين هذا وذاك، ملكٌ يُمدَح في بعض الروايات لإيمانه، وقومٌ يُذَمّون لتكذيبهم. إليك القصة كاملة، مدعومة بالآيات وأقوال العلماء وومضات التاريخ والآثار.

من هو تُبَّع؟ الاسم والدلالة التاريخية

معنى اللقب وأصله اللغوي

“تُبَّع” بضم التاء وتشديد الباء لقبٌ يُطلَق على ملوك دولة حِمير في اليمن، وجمعه “تبابعة”. تُشير المصادر العربية إلى أنه لقبٌ على وزن “فُعَّل” يفيد العظمة والاتباع، أي أن الناس يتبعون أمره، لا أنه اسمٌ لشخصٍ بعينه دائماً.

ملوك حِمير: الإطار الزمني والجغرافي

حكمت حِمير جنوب الجزيرة (اليمن الحالي) بعد ممالك سبأ وقتبان وحضرموت، وامتد نفوذها من القرن الثالث الميلادي تقريباً حتى منتصف السادس. اتسمت بطابعٍ تجاري وزراعي قوي، وارتبطت بسد مأرب وإرث سبأ الحضاري. كانت عاصمتها زَبيد أو ظفار (يريم) وفق الفترات، وتداولت دينياً بين الوثنية ثم اليهودية في طورها المتأخر.

ماذا تقول النقوش والبحوث الحديثة؟

تكشف النقوش المسندية والبحوث الأثرية عن تحولات دينية وسياسية في اليمن المتأخر، منها تبنّي بعض الملوك للديانة اليهودية، وصراعات مع الأحباش والساسانيين. هذه الشواهد تدعم الإطار العام لِتَلقّب ملوك حِمير بـ”تُبَّع”، دون الجزم بكل قصة وردت في كتب الأخبار.

قوم تُبَّع في القرآن الكريم

موضعا الذكر: سورتا الدخان وق

جاء ذكرهم في قول الله تعالى: “أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ” (الدخان: 37)، وفي قوله: “وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ۚ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ” (ق: 14). الرسالة واضحة: قومٌ طغوا وكذبوا فرُفع عنهم الحفظ الإلهي وأُخِذوا بالعقاب.

مَفْهَمَة المفسرين: لِمَ ذُمَّ القوم دون الجزم بحال الملك؟

يقرر المفسرون أن “تُبَّع” لقب للملك، وأن الذم تعلّق بـ”قوم تُبَّع” لا بالملك نفسه على القطع. نقل ابن كثير والطبري والقرطبي روايات متباينة في ملكٍ اسمه تُبَّع أثنى عليه بعض السلف أو نُهي عن سبه، مع التنبيه إلى تَفاوُت الأسانيد. الخلاصة عند جمهورهم: القوم كذبوا، وهذا الذي عليه نص القرآن، أما حال الملك فمحل روايات لا يقطع بثبوتها جميعاً.

هل كانوا من الكفار؟ الجواب المفصّل

نص القرآن حكم على “قوم تُبَّع” بأنهم كذبوا الرسل، وهو وصف كُفريّ يستوجب الوعيد. أمّا الملك “تُبَّع” نفسه، فجاءت روايات فيها نهيٌ عن سبه وذِكرٌ لإسلامه أو لإيمانه بالتوحيد، وهي أخبار دارت بين الحسن والضعف.

  • القوم: وصفهم القرآن بالتكذيب والإجرام، وهو ذمٌّ صريح يُلحقهم بالأمم المكذِّبة.
  • الملك تُبَّع: ورد “لا تسبوا تُبَّعاً، فإنه قد أسلم” في بعض المصادر، مع اختلاف في درجة ثبوته؛ فمن العلماء من حسّنه بمجموع طرقه، ومنهم من توقف فيه.
  • الجمع بين النصوص: لا تعارض؛ إذ قد يؤمن الملك ويستمر غالب قومه على التكذيب، كما عُرف في قصص أخرى من التاريخ الإنساني.

خلاصة الحكم

الراجح: قوم تُبَّع كانوا من الكافرين المكذبين، وهذا محل اتفاق نصي. وأمّا شخص الملك “تُبَّع” فالأقرب أنه كان على توحيد أو على خيرٍ من قومه بحسب الروايات، دون جزمٍ عقديٍّ يُبنى عليه حكمٌ تفصيلي؛ إذ لم يأتِ فيه نصٌّ قرآنيٌّ قاطع.

أشهر روايات تُبَّع في المصادر الإسلامية

أسعد أبو كرب وكسوة الكعبة

تنسب عدة روايات إلى تُبَّع الحميري “أسعد أبو كرب” أنه مرّ بمكة، فعظّم البيت وكساه، وقيل: همَّ بأمرٍ ثم كفّ عنه بعد أن بُيِّن له حُرْمته. هذه التفاصيل ليست محلَّ إجماعٍ حديثي، لكنها ذُكرت في كتب السِّير والتاريخ بإسنادٍ متفاوت، ويستدل بها بعضهم على تعظيم تُبَّع لشعائر الله.

الرحلة إلى يثرب ودور أحبار اليهود

تذكر الأخبار أنه قدم يثرب، فاستنصحه أحبارٌ فيها ودعوه إلى التوحيد، فآمن أو هادنهم، ثم عاد إلى اليمن حاملاً تقديراً للدين الحق. تعكس القصة تداخلاً تاريخياً بين جنوب الجزيرة وشمالها قبيل البعثة، مع التأكيد على أن دقة التفاصيل تخضع لمناقشة أهل الحديث.

انتشار اليهودية في اليمن وتمهيد مشهد نجران

شهدت حِمير في قرونها الأخيرة قبيل الإسلام أثراً لليهودية في البلاط والنخبة، وهو ما تواترت عليه نقوشٌ ودراسات. هذه الخلفية تفسر سياق أحداثٍ لاحقة كقصة أصحاب الأخدود في نجران، وإن كانت وقائعُها بشخوصها ليست من زمن تُبَّع نفسه.

ما الذي يلتبس على الناس؟ تصحيحات ضرورية

تُبَّع ليس أبرهة

أبرهة حاكمٌ حبشي على اليمن في القرن السادس الميلادي، قاد حملة الفيل على مكة. بينما تُبَّع لقبُ ملوكٍ حميريين يمنيين قبل ذلك بقرون. الخلطُ بينهما شائع لكنه خطأ تاريخي.

قوم تُبَّع غير قوم سبأ

سبأ سابقةٌ لِحِمير تاريخياً، وقصتها مرتبطة بسد مأرب و”سيل العَرِم” في سورة سبأ. أما قوم تُبَّع فهم طورٌ لاحق ارتبط بالدولة الحميرية. الجمع بين القصتين يطمس الفوارق الزمنية.

أنبياءٌ بأسماء غير ثابتة

تُذكر أسماءٌ كحَنْظَلة بن صفوان ونحوِه كأنبياء في اليمن، لكن لا يثبت في ذلك نصٌّ قاطع. القرآن أجمل: “كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ” دون تسمية، فالعبرة بالمآل لا بالأسماء.

دروس وعِبَر تربوية وإيمانية

  • تكذيب الحق لا يحمي منه مجدُ الممالك، فالسُّنن الإلهية لا تحابي أحداً.
  • قد يهتدي القائد ويضلّ أكثرُ قومه، فتظل المسؤولية فردية وجماعية معاً.
  • المقارنة بين النصّ القرآني والروايات تربي على التثبّت وعدم التعميم.
  • تاريخ اليمن الغنيّ يعلّمنا فهم التعدّد الديني والثقافي دون خلطٍ أو إسقاط.
  • العبرة بمآلات المواقف: من آمن نجا، ومن كذّب استحق الوعيد.

خريطة زمنية مختصرة

  • عصور ما قبل الميلاد: ازدهار سبأ وبناء سد مأرب.
  • القرنان الثالث–الخامس الميلاديان: صعود حِمير ولقب “تُبَّع” لملوكها.
  • القرن الخامس–السادس: حضور لافت لليهودية في اليمن الحميري وصراع مع الأحباش.
  • نحو 525م: الاحتلال الحبشي لليمن، وشيوع قصة أصحاب الأخدود قبل ذلك بزمن وجيز.
  • 570م تقريباً: عام الفيل بقيادة أبرهة، وهو زمنٌ لاحق غير زمن التبابعة.

مراجع موثوقة للقراءة والتوثيق

  • تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي عند آيتي الدخان: 37 وق: 14.
  • كتب السِّيَر كالبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الطبري، مع التنبيه إلى نقد الأسانيد.
  • دراسات ونقوش اليمن القديم (المسند) حول دولة حِمير والدين في جنوب الجزيرة.
  • الموسوعة العربية ودوائر المعارف التاريخية حول ممالك اليمن قبل الإسلام.

الأسئلة الشائعة

من هم قوم تُبَّع باختصار؟

هم شعب الدولة الحميرية في اليمن القديم، نُسبوا إلى ملكهم الذي يحمل لقب "تُبَّع". ذكرهم القرآن في موضعين بوصفهم من الأمم التي كذبت الرسل فأُهلكت، والعبرة في قصتهم بسنة الله في المكذبين.

هل كان تُبَّع مؤمناً أم كافراً؟

القرآن لم يحكم على شخص الملك، بل على قومه. وردت روايات فيها نهي عن سبّ تُبَّع وذِكر لإسلامه، لكنها متفاوتة الصحة. لذلك يُقال: الأقرب أنه كان على خيرٍ من قومه، مع التوقف عن الجزم القاطع.

ما علاقة تُبَّع بمكة والمدينة؟

تذكر بعض الأخبار أنه زار مكة وكسى الكعبة، وأنه مرّ بيثرب وتأثر بأحبارها. هذه أخبار تاريخية متداولة عند أهل السِّيَر، لكن تفاصيلها ليست محلَّ إجماعٍ حديثي، فيُؤخذ منها ما وافق الأصول وثبتت دلالته.

هل تُبَّع هو نفسه أبرهة صاحب الفيل؟

لا. أبرهة حاكم حبشي متأخر زمنياً (منتصف القرن السادس الميلادي)، بينما "تُبَّع" لقب ملوكٍ يمنيين حميريين أقدم منه. الخلط بين الشخصيتين خطأ تاريخي.

هل عُرِف اسم النبي الذي أُرسل إلى قوم تُبَّع؟

لم يُسمِّ القرآن نبياً لقوم تُبَّع، بل أجمل بأنهم كذّبوا الرسل. وتُذكر أسماء في بعض الآثار لا تثبت بدليلٍ قاطع، لذا تبقى العبرة العامة: التكذيب سبب الهلاك، والإيمان سبب النجاة.

بواسطة: Mona Fakhro

مقالات ذات صلة

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *