استشراف التوجهات المستقبلية لساحة العمل: كيف نضمن جاهزية الخريجين للتعامل مع تغيرات المستقبل؟

منى عبد الحكيم، مدير إدارة الاستراتيجية والمستقبل، مكتب مدير الجامعة، جامعة زايد

لا تستوفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حاليًا سوى 62% من إمكانيات رأس المال البشري في المنطقة وفقًا لمؤشر رأس المال البشري الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، مما يفاقم من أثر الثغرة الراهنة ما بين مخرجات التعليم والفرص المهنية، وما يترتب عليها من معدلات عالية للبطالة بين فئة الشباب المتعلم في المنطقة. حيث تشير حوالي 40% من جهات التوظيف في العالم العربي إلى ضعف التوافق ما بين ما يتلقاه الطلبة في قاعات المحاضرات التقليدية وبين متطلبات سوق العمل المعاصر والذس يعتبر العقبة الرئيسية في وجه نجاح الخريجين الجدد في السياق المهني.

وبغض النظر عن مدى خبرتنا، ليس بمقدورنا التنبؤ على وجه الدقة بما سيستحدثه المستقبل من مسارات وظيفية وما سيستجد من صناعات وقطاعات في السنوات القادمة. إلا أن هذا لا يعني أنه ليس بمقدورنا اتخاذ خطوات وجهود استباقية لسد ثغرات المنظومة التعليمية التي نعلم أنها وراء ما يواجهه الطلبة من تحديات التحول بسلاسة من بيئة التعليم إلى بيئة العمل.

نحن مطالبون أكثر من أي وقت مضى كتربويين بأخذ زمام المبادرة لإيجاد وتطوير حلول مباشرة لتلك التحديات. إذ أن التطور المتسارع في قطاعات الأعمال يفرض علينا استثمار المزيد من الوقت والجهد لتطوير صيغة تعليمية جديدة ومبتكَرة لمناهج وأساليب التعليم العالي؛ صيغة تزود الطلبة بالمقومات اللازمة لتكوين رؤية عملية واضحة لمسارهم المهني وتوفر لهم خارطة طريق تساعدهم على الاستدلال على مكانهم ودورهم في العالم.

لتحقيق ذلك، لا بد لهذه الصيغة التعليمية الجديدة من أن تكون مصممة لتزويد الطلبة بمهارات مستدامة ووثيقة الصلة بمتطلبات نجاح المؤسسات، وتؤهلهم ليكونوا عنصرًا فاعلًا لتحقيق تطلعاتها المستقبلية. إذ لا يمكننا التغاضي عن اشتكاء جهات العمل من صعوبة العثور على خريجين جدد مؤهلين لتلبية احتياجاتها. لذا أصبح لزامًا على الجامعات والمؤسسات التعليمية، إذا شاءت أن تكون حاضنة لنجاح طلبتها ونهضة مجتمعها، أن تعمل جنبًا إلى جنب مع جهات التوظيف للتعرف على أهم المهارات وأكثرها اتصالًا باحتياجاتها، ولتتمكن بذلك من سد ثغرة المهارات بين الخريجين الجدد وبيئة العمل بفعالية.

ففيما تواصل الثورة الصناعية الرابعة تبلورها، ومع نشر العديد من الأبحاث حول المهارات المطلوبة من قوى العمل المعاصرة، تتضح لنا أكثر فأكثر معالم المهارات والأدوات التي يلزم الطلبة التزود بها للنجاح في المحيط المهني. أهم المهارات المعززة لفرص التوظيف، بحسب منصة لينكدإن، هي مهارات إيجاد الحلول وقدرات التواصل ومهارات العمل الجماعي، بل يمكننا القول إن تلك المهارات هي أبرز المهارات المطلوبة في القرن الحادي والعشرين. لذا، ليس مستغربًا أن نشهد تزايدًا في وعي المؤسسات التعليمية بأهمية تلك المهارات، وسعيها لتصميم برامج أكاديمية قادرة على تطويرها وتعزيزها لدى الطلبة.

هذا بالضبط ما زكرنا على تحقيقه في جامعة زايد X مينيرفا، إذ قمنا بتأسيس برنامج تعليمي مكرّس لتمكين الطلبة من اكتساب وصقل المهارات والمعارف المتوائمة مع بيئة العمل المعاصرة. حيث تقوم رؤيتنا على قناعة راسخة، أثبتتها الدراسات والأبحاث في مجال آليات التعلم على مدى عقود، بأن التوجه متداخل المناهج وأسلوب التعلّم الفعّال هو الطريق الأمثل لتزويد الطلبة بالمعارف والمهارات اللازمة لتحقيق النجاح في شتى السياقات المهنية الحاضرة والمستقبلية.

فقد صممت برامج البكالوريوس في جامعة زايد X مينيرفا لتدفع الطلبة للتفاعل والتعاون فيما بينهم، ولتحفزهم على النقاش وتبادل المعرفة مع زملائهم، إلى جانب اكتساب الخبرات العملية على أرض الواقع. فنحن نرى أنه لا بد من تبني توجه متكامل للتعليم لتنمية وصقل قدرات التفكير النقدي، ومهارات الانخراط في فرق العمل، وتعزيز إقبال الطلبة على الإبداع والابتكار، وبالتالي تزويدهم بالمقومات الجوهرية للنجاح في بيئة العمل.

باختصار، لقد أصبح إعداد وتمرين الطلبة على مهارات المستقبل من أولويات التعليم. يشهد على ذلك توجه المؤسسات التعليمية حول العالم نحو التركيز على التعلم في سياق العمل. لذا حرصنا كذلك على أن يكون المنحى التطبيقي جزء جوهريًا من التجربة التعليمية في جامعة زايد X مينيرفا، حيث يمضي كل طالب وطالبة 25% من مسيرتهم الأكاديمية في العمل ضمن فِرق على مشاريع معقدة في إطار مجموعة مختارة من الشركات الرائدة. والهدف من ذلك هو مساعدتهم على اكتساب وصقل المهارات التي من شأنها تعزيز فرصهم الوظيفية، وتنمية قدرتهم على التأقلم مع واقع الحياة المهنية بيسر وسهولة.

ومن جهة أخرى، يضع الحضور الطاغي للتقنية في جميع نواحي الحياة إعداد الطلبة لواقع بيئة العمل المدفوعة بالتقنيات الحديثة على قائمة أولويات التعليم العالي. ولكي يكون الطلبة قادرين على التفوق في مسارات العمل الراهنة والمستجدة، لا بد للتعليم الأكاديمي من مواكبة التحول التقني القائم في القطاعات الأخرى لتطوير معرفة وتمكّن الطلبة من معطيات الثقافة التقنية المتقدمة.من هذا المنطلق، تقوم البيئة التعليمية في جامعة زايد X مينيرفا على المزج بين أحدث تقنيات التعليم المتقدمة وبين محيط الحرم الجامعي. حيث يتلقّى الطلبة جميع دروسهم عبر منصة فورم (Forum™️) التعليمية، وهي المنصة الافتراضية الأحدث والأكثر تقدمًا في الوقت الحاضر، والتي تسخر أحدث التقنيات التفاعلية لمنح الطلبة تجربة تعليمية محفزة للتفكير والتواصل والإبداع.  صممت المنصة بناءًا على فلسفة التعلّم الفعّال عبر دروس الفيديو الحية، وغرف مجموعات العمل والنقاش الافتراضية، وتطوير المقررات المتكاملة، وتوفير الخصائص التحليلية المتقدمة لدعم مشاركة وأداء الطلبة. وبذلك لا تعزز المنصة تجربة التعلم لدى الطلبة وحسب، بل وتعودهم على استخدام الأدوات التقنية التي بلا شك ستخدمهم في مستقبلهم المهني على المدى البعيد.

لكي نؤدي دورنا كتربويين في تيسير سبل التقدم والنجاح للطلبة، لا بد لنا من تبني رؤية تلبي احتياجات  التعليم العالي المستقبلية. وبذلك يمكننا أن نتلمّس ملامح مستقبل الجيل القادم، وأن نساهم في تمهيد الطريق لنجاحهم  بالإصغاء إلى ما يلح عليه عالمنا الراهن من مهارات فكرية وعملية وشخصية للارتقاء بمخرجات التعليم.

بواسطة: Sitemanager

مقالات ذات صلة

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *