ألبرت أينشتين
لم تكن صوره المنتشرة على مواقع الإنترنت هي الغريبة بل حياته أيضاً كان فيها نوع من الغرابة المضحكة والكوميدية، لقد كان ألبرت أينشتين يتعمد الغرابة المضحة هذه فقد كان خفيفاً للظل لابعد الحدود، كان الرجل عندما يقابله أحد من المذيعين والصحفيين يجد من روحه المضحكة أكثر مما يجد من علمه الجاف في عالم الفيزياء.
نترك الغرابة لصاحبها مؤقتاً ونبدأ في رحلة مع آينشتين العالم الذي غيّر العالم من خلال نظرية النسبية الشهيرة، ثم رحل كما أراد بلباقة تليق به، فما هي القصة إذن؟
آينشتين طالب يعاني من صعوبات في النطق يغيّره كتاب علمي للأطفال
في الحقيقة كثيراً ما أجد في بعض منشورات التواصل الاجتماعي هذه الجملة التي أصبحت كسطوع الشمس من مشرقها في حقيقتها العلمية” آينشتين كان غبياً.. لذلك لا تيأس!” فهل حقاً كان آينشتين كان تلميذاً غبياً خائباً؟
كانت بداية آينشتين في عام 1879م عندما ولد في مدينة أولم الألمانية لأسرة يهودية علمانية وكان اوبه هيرمان يعمل مهندساً وأنشأ شركة مع شقيقه للمعدات الكهربية في ميونخ الألمانية.
التحق آينشتين بالمدرسة الإبتدائية وبدا طالباً غير متأقلماً مع نظام التدريس الجامد بل كان مبدعاً في مجالات أخرى شغفه للموسيقى وعزف الكمان وغيرها من الآلات لكن آينشتين الصغير رغم شغفه كان يعاني من صعوبات مؤقتة في النطق سرعان ما ذهبت لحالها، وهذا يعني أن كان طالبا مميزاً وليس غبياً وربما نجد طلبة مميزون في نظام تعليمي جامد وغير متطور يشغفون بالعلوم والفنون دون أدنى مراعاة لذلك يبدون أغبياء للأسف الشديد.
تعلّم آينشتين بعد ذلك دروسه على يد طالب الطب البولندي ماكس تالمود، وقد كان صديقاً للعائلة وقد كان ماكس له أكبر الأثر في الصغير حيث قام بإهدائه كتاباً مبسطاً للعلوم مناسباً للأطفال وقد شغف آينشتين بالعلوم المبسطة بين طياته حباً وهنا وجد ذاته في دراسة العلوم الطبيعية.
مراهق متمرد على الخدمة العسكرية أم متمرداً على ألمانيا؟
كان آينشتين متمرداً شغوفاً بالعلم وفقط، وهو ما جعله يقوم بكتابة ورقة علمية بسيطة عن الحقول المغناطيسية وهو بعد لم يكمل دراسته، وفي تلك الأثناء تعرضت أسرة آينشتين للفلس والضيق المالي مما جعلهم يتركون ألمانيا نحو مدينة ميلان الإيطالية وقد ترك هيرمان الأب ابنه في حوزة أقاربه حتى يكمل دراسته.
قرر آينشتين في تلك الأثناء أنه لن يلتحق بالخدمة العسكرية الألمانية فهو يكره ذلك، وبدا متمرداً على قرار الخدمة العسكرية لذلك نجح في الفرار من الخدمة بعد تقديمه أوراق ثبوتية لمعاناته من مشاكل عصبية في الدماغ مما جعله حراً فترك ألمانيا نحو عائلته في ميلان ثم أكمل دراسته الثانوية واستطاع أن يلتحق بالمعهد السويسري الفيدرالي للعلوم التطبيقية وهو معهد عالي بعد الثانوية وقد حصل على علامات مرتفعة للغاية في الرياضيات والفيزياء وبسبب ذلك نجح في الالتحاق.
وقد حصل آينشتين على لجنسية السويسرية في هذه المرحلة وتخلى عن الجنية الألمانية وانقطعت كل صلة بالوطن الأم.
آينشتين والنسبية.. رحلة شيقة خرجت أعظم إنجازات البشرية
آينشتين والنسبية .. عنوان يبدو لكتاب لطيف يمكن أن تقرأه عن رحلة آينشتين نحو إثبات النسبية، وبالفعل هناك العديد من الكتب التي تحدثت عن هذا الإنجاز إما بشكل مبسط للعامة من الناس أو بشكل أكاديمي للمتخصصين في الرياضيات والفيزياء.
على أية حال؛ انتهى آينشتين الآن من دراسته في المعهد السويسري للعلوم التطبيقية وعمل موظفاً في البداية في مكتب براءات الإختراعات وربما كان راضياً بهذه الوظيفة في البداية لأنها تساعده على التفرغ لساعات طويلة في العمل على تطوير أبحاثه في مجال الفيزياء.
نجح آينشتين في كتابة ما توصل إليه في أربع ورقات علمية ونشرها في مجلة علمية تدعى Annalen der Physik في عام 1905م مما أثار ضجة واسعة، لقد كانت الأوراق عبارة عن مجالات التأثير الكهروضوئي و الحركة البراونية والعلاقة بين المادة والطاقة والنظرية النسبية وقد أثارت الورقة الرابعة التي تحدثت عن علاقة الطاقة بالكتلة جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية.
لقد ترتب على هذا الجدل الواسع العديد من الأسئلة التي حسمها آينشتين ببراعة مما جعله مؤهلاً لمساندة علمية كبيرة من عالم الفيزياء الشهير ماكس بلانك الذي أيد نظرية النسبية لأينشتين مما جعله مقبولاً ومشهوراً في الأوساط العلمية وتدرج آينشتين حتى أصبح في منصب مدير معهد Kaiser Wilhelm في الفترة من عام 1913 حتى 1933م.
وبالرغم من حصوله على هذا المنصب لم يترك آينشتين البحث لحظة، فقد أكمل نظريته ببعض الآراء العلمية الهامة والذي اكتشف من خلالها التنبؤ بشكل دقيق مدارات الكواكب حول الشمس وقوى الجاذبية وكيفية عملها وهذه الاكتشافات ذاعت من صيته وجعلته أيقونة علمية بعد إثبات صحة هذه الحقائق العلمية.
كما نجح آينشتين في إثبات أن الكون في حالة ثابتة، لكنه تراجع بعد سنوات وأكد ان الكون في حالة توسع مستمرة.
عندما أصبح آينشتين هدفاً للقتل
مع خضم الأحداث التي سبقت الحرب العالمية الثانية زادت وتيرة العنف والعنصرية التي أحدثها الحزب النازي في ألمانيا بقيادة أدولف هتلر الذي قام بالعديد من الإجراءات التي تحد القضاء على النفوذ اليهودي في ألمانيا وسويسرا حيث طرد اليهود من المناصب الحكومية لا سيما الجامعات وطارد العلماء اليهود ومن بينهم آينشتين حيث كان هدفاً للقتل من السلطات النازية مما جعله يقرر الهجرة من أوربا نهائياً ويمم وجهه شطر الولايات المتحدة الذي وجد فيها ملاذا له وحصل على منصب رفيع في معهد برينستون في ولاية نيوجيرسي حيث أكمل أبحاثه الخطيرة عن الطاقة النووية.
آينشتين وعلاقته بالولايات المتحدة.. من التشكيك إلى الولاء التام
بعد هروبه من النازية وضع آينشتين علمه في خدمة الولايات المتحدة، لكن واجه التشكيك في بداية الأمر من مكتب التحقيقات الفيدرالية التي كانت تبحث بدقة عن ولائه وتشكك فيه حتى أثبته من خلال أمرين في غاية الخطورة.
لقد كان الرجل الأب الروحي لمشروع مانهاتن أهم المشاريع العسكرية أثناء الحرب العالمية الثانية، وبالرغم من أنه يكره الحروب على حد قوله إلا ان مجهوداته العلمية ورسائله إلى فرانك روزفلت الرئيس الأمريكي بضرورة السعي لامتلاك السلاح النووي قبل إمتلاك الألمان له وهو ما أدى إلى بناء الولايات المتحدة هذا المشروع بمجهود آينشتين العلمي وآخرين في السعي لإمتلاك السلاح النووي وهو ما أثمر عن نجاح الولايات المتحدة في صناعة القنبلة النووية واستخدامها في نهاية الحرب.
أما الأمر الثاني الذي اثبت فيه الولاء هو تبرعه بملايين الدولارات إلى البحرية الأمريكية أثناء الحرب بعد بيع مخطوطات علمية له في المزاد العلمي، مما جعله شخصية رائعة في المجتمع الأمريكي ومنح الجنسية وتم إثبات ولائه فيما بعد.
آينشتين والقنبلة النووية
يعتبر آينشتين هو الأب الروحي لتصنيع القنبلة النووية عبر مشروع مانهاتن إلا أنه عارض استخدامها في الحرب العالمية الثانية، خاصة أنه تأثر بالضحايا الذين سقطوا في هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين.
وقد أدى ذلك إلى إنشاء رابطة علماء الذرة في عام 1947م وذلك لحث الأمم المتحدة من استخدام القنابل النووية كأسلوب ردع فقط دون استخدامها في النزاعات المستقبلية والحروب.
الجوائز التي حصل عليها آينشتين في حياته العلمية
لقد حصل آينشتين على جائزة نوبل في الفيزياء بسبب إنجازاته حول النظرية النسبية، بالرغم من أن مانحي الجائزة كانوا لا يزالون متشككين حول هذه النظرية إلا أنه حصل عليها في عام 1921م وتسلمها في العام التالي حتى يتم التأكد من تلك الأبحاث وقد كان بالفعل.
حياة آينشتين الشخصية .. زواج أكثر من مرة وعلاقات متعددة بالنساء
على الرغم من حياته العلمية الجامدة، إلا أنه تميّز بالعلاقات المتعددة بالنساء فقد كانت علاقته الاولى التي قادته للزواج من طالبة فيزياء صربية تدعى ميليفا ماريتش منذ عام 1902م أثناء دراسته في المعهد السويسري وقد انجب منها طفلة تدعى ليسريل ثم تزوجها بعد عمله في مكتب براءات الاختراع بعد تخرجه وأنجب منها ولده هانز وقد استمر هذا الزواج حتى 1919م حتى أنتهى بالطلاق.
ثم تزوج آينشتين للمرة الثانية من ابنة عمه ايليسا واستمر الزواج منها حتى وفاتها عام 1936م لتعدد علاقاته النسائية دون إطار الزواج حتى آخر حياته.
آينشتين وحياة العزلة
بعد الحرب العالمية الثانية وما حدث فيها من تأثيرات خطيرة بسبب القنبلة النووية، اعتزل آينشتين الأضواء وتقبل دوره في معهد برنستون والعمل مع زملائه وقام بتطوير ابحاثه حول النظرية النسبية والثقوب السوداء وإمكانية السفر عبر الزمن.
أراد الموت بلباقة وحصل عليه فعلاً
توفي آينشتين في الولايات المتحدة عام 1955م عن عمر السادسة والسبعين بسبب مرض تمدد الاوعية الدموية الذي عانى منه قبل سنوات، وكان دائماً ما يردد مقولته الشهيرة عن الموت “أريد الموت حين أقرر ذلك، لقد أديت دوري في الحياة ولا نفع من إطالتها بشكلٍ مصطنع، لذلك سأرحل بلباقة”
وبعد الوفاة في المستشفى قام توماس هارفي دماغ آينشتين من أجل دراسته واكتشافه، وهذا دون علم أسرته والدماغ موجودة في المركز الطبي لجامعة برينستون حتى الآن ولم يدفن آينشتين بناء على وصيته حيث أحرقت جثته وتم نشر الرماد في مكان غير معروف.
كانت هذه حياة آينشتين التي غيّرت وجه العالم إلى الأبد.
بواسطة: Monia
اضف تعليق